ابن قيم الجوزية
214
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
منهم ، فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ( 52 ) [ طه ] أي : أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي ، قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب ، فيجازيهم عليه يوم القيامة ، ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال ، فإنه سبحانه لا يضلّ ولا ينسى ، وعلى هذا فالكتاب هاهنا كتاب الأعمال . وقال الكلبي : يعني به اللوح المحفوظ ، وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق ، والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم ، وكتبها عنده قبل أن يعملوها ، فيكون هذا من تمام قوله الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) [ طه ] فتأمله . فصل وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية ، كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق ] وقوله : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن ] وقوله : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) [ البلد ] وقوله : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الإنسان ] وقوله أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ( 60 ) [ النمل ] الآيات ثم قال أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ( 63 ) [ النمل ] . فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي ، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني ، فهذا خلقه ، وهذا هداه وتعليمه .